الفيض الكاشاني
243
أنوار الحكمة
والرابع الاختلاف في الأحكام الشرعيّة ، كما هو بين المفتين من الفرقة الواحدة ؛ ومنشأه الجهل بمعنى الإجماع وحقيقته ، وبمعنى المحكم والمتشابه وحقيقتهما ، وعدم المعرفة بأنّ المحكم ما اتّفق عليه الأفهام ، وهو الحجّة ، والمتشابه ما اختلف فيه ، وأنّه لا حجّية فيه « 1 » . وكلّ ذلك يرجع إلى التديّن بما لا يعلم والقول بما لم يستيقن ، بعد الحسد الذي جبل عليه أفراد البشر لذوي الفضائل . وأول اختلاف نشأ في الإسلام كان قول عمر ، حين أراد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الوصيّة : « إنّ الرجل ليهذي ، حسبنا كتاب اللّه » . فصار ذلك أمّ جميع الاختلافات الواقعة في هذه الامّة ، فإنّهم إذ عدلوا بالأمر عن أهله ، واستقلّوا به من دونهم ، تشوّقت إليه نفوس أراذل المنافقين واجترأت عليه زنادقة بني اميّة ، لا سيّما ، وقد مهّدوا لهم بالتمكين بعد التأسيس ، وولّوهم الولايات ، وعقدوا لهم الألوية والرايات ، وبالغوا في إبعاد أهل البيت عليهم السلام وخواصّهم عنها . وآل الأمر إلى بني العبّاس ، السالكين مسالك أولئك الأرجاس ، وظهرت علماء السوء ، الضالّون المضلّون - كلّ يدعو الناس إلى نفسه - حتّى خفي الحقّ وأهله من اولي العصمة والرشاد ، وتاه الناس في بيداء جهالتهم ، وضلّوا عن الطريق القويم ؛ فافترقت أحزاب ، وانشعبت في بدع وأهواء .
--> ( 1 ) في هامش النسختين : بيان ذلك أنّ الإجماع لا يمكن أن ينعقد إلّا على حكم له دليل قاطع واضح محكم ، لا يتطرق إليه شوب شبهة ، ولا يختلف دلالته باختلاف الظنون والأفهام ؛ وبدون ذلك لا يكون ، كما لا يخفى على المنصف . فكلّ ما يظنّ أنه إجماعيّ - وليس بهذه المثابة - فليس بإجماعيّ ، وكلّ ما كان بهذه المثابة فهو إجماعيّ وإن اختلفوا فيه . وكلّ ما ليس بهذه المثابة فهو متشابه ، ولا يجوز تأويل المتشابه وردّه إلى أحد الشبهتين ، إلا للّه وللراسخين في العلم بتأويله ، وهم الأئمة المعصومون عليهم السلام دون سائر الناس ، فلا يفعله منهم إلّا من كان في قلبه زيغ ، أي ميل إلى أحد الشبهين ، ومن مال إلى أحد الشبهين فقد صيّر المتشابه محكما - وهو متشابه - فقد عدل به عن حقيقته وما أعطاه حقّه ، واتّبع الظنّ المنهيّ عن اتّباعه ؛ بل ينبغي أن يتركه على تشابهه كما تركه اللّه ؛ فإذا فعلوا ذلك ارتفع الاختلاف ، وبقوا على المتيقّن - منه ره ( مل : سلمه اللّه تعالى ) .